٠٥ فبراير ٢٠٢٦
في خطوة تهدف إلى إحداث تحول نوعي في علاقة صناعة التحكيم بمرفق القضاء، احتضنت العاصمة الرياض أعمال "الملتقى القضائي العربي لاتفاقية نيويورك"، الذي يُعقد بتنظيم مشترك بين المركز السعودي للتحكيم التجاري، وجامعة الدول العربية، والمجلس الدولي للتحكيم التجاري (ICCA)، والمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، وذلك ضمن الفعاليات الرئيسة لـ "أسبوع الرياض الدولي لتسوية المنازعات2026.
ويكتسب هذا الحدث أهميته الاستراتيجية من كونه التجمع القضائي الأوسع من نوعه، حيث نجح في جمع 50 قاضيا من 22 دولة عربية في مقابل 20 متحدثا محليا ودوليا على طاولة حوار واحدة، ضمت عددا من أصحاب المعالي وزراء العدل، ورؤساء المحاكم العليا والتجارية، ونخبة من قضاة التنفيذ، بهدف بناء جسور تفاهم مؤسسية بين "القضاء الوطني" و"صناعة التحكيم"، بما يخدم استقرار العلاقات التجارية العابرة للحدود وتنفيذ أحكام التحكيم وتحويلها إلى واقع قائم في البيئات التجارية.
وعكس التواجد الكثيف لقضاة ومستشاري محاكم التمييز والاستئناف والمحاكم العليا من دول شملت: مصر، الإمارات، قطر، العراق، المغرب، تونس، الجزائر، الأردن، البحرين، سلطنة عمان، الكويت، والسودان، إضافة إلى محكمة الاستثمار العربية؛ حرص المنظومات القضائية العربية على مواكبة التطورات العالمية في مجال تسوية المنازعات.
وهدف الملتقى إلى "ترسيخ مأسسة الحوار" بين القاضي والمحكّم، حيث انخرط المشاركون في جلسات عمل فنية معمقة، خُصصت لتفكيك إشكاليات تطبيق "اتفاقية نيويورك 1958" التي تعد الدستور العالمي للتحكيم.
واستهل الجدول العلمي بجلسة ناقشت "نطاق تطبيق اتفاقية نيويورك"، بمشاركة د. محمد عبد الرؤوف، عضو مجلس إدارة المركز السعودي للتحكيم التجاري، و أ. د. محمد عبد الوهاب، الشريك المؤسس ورئيس مجموعات التحكيم الدولي والتشييد والطاقة، في مكتب ذو الفقار وشركاؤه للمحاماة، اللذين استعرضا الجوانب العملية للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية، وآليات تفعيل المادة الثانية من الاتفاقية في المحاكم العربية لضمان فاعلية اتفاقات التحكيم.
وفي جلسة ترأسها د. عبد الله العجلان، عضو مجلس إدارة المركز السعودي للتحكيم التجاري، فتح المشاركون أحد أكثر الملفات تعقيداً وهو "إشكاليات النظام العام"، حيث قدم معالي وزير العدل الأردني الأسبق د. صلاح الدين البشير، والمستشار أ. أحمد الورفلي، القاضي السابق بمحكمة الاستئناف بتونس، قراءات نقدية حول مبررات الإبقاء على ثنائية "الاعتراف والتنفيذ"، وكيفية تفسير "النظام العام" بمفهومه الضيق بما لا يعيق حركة التجارة الدولية، وبما يضمن التوازن بين سيادة الدولة والتزاماتها الدولية.
كما خُصصت الجلسة الثالثة لاستعراض "دراسة تحليلية لمستجدات السوابق القضائية السعودية"، قدمتها د. ندين حفايظة و أ. نواف السليم، كشفت عن تطور ملموس في تعاطي القضاء السعودي مع أحكام التحكيم، مبرزةً الإحصائيات الحديثة التي تؤكد كفاءة ومرونة محاكم المملكة في إنفاذ أحكام التحكيم الأجنبية، مما يعزز من "قابلية التنبؤ بالأحكام" ويدعم مناخ الاستثمار.
وخلصت مداولات الملتقى إلى أن استقرار السوابق القضائية ووضوح منهجية التعامل مع أحكام التحكيم يعدان ركيزة أساسية لجذب رؤوس الأموال.
واعتبر المشاركون أن نجاح الرياض في استضافة هذا الحوار الرفيع، بشراكة مع أعرق المنظمات العدلية، يمثل خطوة متقدمة نحو توحيد الرؤى القانونية، ويعزز من كفاءة القضاء العربي في التعامل مع تعقيدات الاقتصاد الدولي الحديث.